في زمن تتسابق فيه الأخبار نحو رصد الاختلالات وتوثيق أوجه القصور، تبرز أحيانا مبادرات صغيرة في حجمها، كبيرة في دلالاتها، تعيد إلى الواجهة معنى الاعتراف الإنساني بمن اختاروا أن يؤجلوا فرحة العيد حتى لا تتوقف الحياة داخل المستشفيات.
هكذا كان المشهد داخل المركز الإستشفائي الإقليمي بخنيفرة، حيث اختارت إدارة المؤسسة الصحية أن تقتسم دفء عيد الأضحى المبارك مع جنود الخفاء من أطر طبية وتمريضية، وحراس الأمن الخاص، وعاملات النظافة، ممن فرضت عليهم طبيعة المهنة البقاء بين جدران المستشفى، بعيدا عن موائد أسرهم وطقوس العيد المعتادة.
ولأن التضحية لا تقاس فقط بعدد ساعات العمل، بل أيضا بما يرافقها من ضغط نفسي وإنساني، حرصت إدارة المستشفى الإقليمي على تنظيم مبادرة ذات بعد رمزي عميق، تمثلت في تقديم وجبتي فطور وغداء لفائدة مختلف العاملين المداومين الذين واصلوا أداء مهامهم خلال يوم العيد، في أجواء طبعتها روح التقدير والاعتراف.
ولم تكن المبادرة مجرد وجبات عابرة، بل حملت في تفاصيلها رسالة وفاء صامتة لمن اعتادوا أن يضعوا صحة المواطنين فوق راحتهم الشخصية، إذ جرى إعداد مائدة غداء مغربية متكاملة، في أجواء أسرية خففت شيئا من وطأة الغياب عن العائلة، ومنحت العاملين لحظة دفء إنساني وسط ضغط المسؤولية واستمرار الواجب المهني.
وقد عبر عدد من المستفيدين، في تصريحات متطابقة، عن ارتياحهم الكبير لهذه الالتفاتة، موجهين شكرهم وامتنانهم العميق لإدارة المستشفى على هذه المبادرة الإنسانية التي خلفت أثرا طيبا في نفوسهم، ومؤكدين أن قيمتها المعنوية فاقت بعدها المادي، لأنها عكست إحساسا حقيقيا بالامتنان تجاه مجهودات تبذل يوميا في صمت، خصوصا خلال المناسبات والأعياد التي تتضاعف فيها التحديات داخل المؤسسات الصحية.
وتعيد هذه المبادرة إلى الواجهة أهمية ترسيخ ثقافة الاعتراف داخل المرافق العمومية، باعتبارها مدخلا أساسيا لتحفيز الموارد البشرية وتعزيز الانتماء المهني، في قطاع يظل من أكثر القطاعات استنزافا للجهد الإنساني والنفسي.
كما تعكس هذه المبادرات الإنسانية حرص إدارة المركز الاستشفائي الإقليمي بخنيفرة على تكريس ثقافة القرب والتحفيز داخل المؤسسة الصحية، تحت إشراف الدكتور إسماعيل شنخير، مدير المستشفى، الذي يواصل مجهوداته من أجل تحسين ظروف الإشتغال والرفع من جودة الخدمات الصحية، بما يعزز روح الانتماء والمسؤولية لدى مختلف الأطر الصحية والإدارية.
وفي امتداد لهذا البعد الإنساني، سعت إدارة المركز الاستشفائي الإقليمي بخنيفرة إلى أن يصل دفء العيد أيضا إلى نزلاء مصلحة الأمراض العقلية والنفسية، من خلال تنظيم حفل إنساني حمل الكثير من معاني الرعاية والاحتواء، في محاولة لتخفيف قسوة العزلة وإعادة شيء من الفرح إلى نفوس أنهكها المرض.
وقد عاشت المصلحة، بهذه المناسبة، على وقع أجواء احتفالية مفعمة بالمحبة والتآزر، تخللتها فقرات ترفيهية وتقديم وجبات وحلويات، في مبادرة سعت من خلالها الأطر الصحية والإدارية إلى كسر رتابة العلاج وإضفاء أجواء العيد داخل فضاء استشفائي يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى الدعم النفسي والإنساني.
ولم تمر هذه الالتفاتة مرور الكرام، بل خلفت أثرا بالغا في نفوس المستفيدين ومحيطهم، باعتبارها تجسيدا عمليا لفلسفة الرعاية الشاملة، التي لا تختزل العلاج في الأدوية والفحوصات فقط، وإنما تمتد لتشمل مواساة المرضى، ومرافقتهم نفسيا، وزرع الأمل والطمأنينة في تفاصيل يومهم داخل المؤسسة الصحية.
فحين يؤجل أصحاب المآزر البيضاء فرحتهم الخاصة حتى لا تنطفئ طمأنينة المرضى، يصبح أقل ما يمكن تقديمه لهم هو كلمة تقدير تعكس حجم هذا العطاء، ولفتة امتنان تنصف جهودهم المتواصلة، وشيء من دفء العيد الذي يترك أثره في التفاصيل الصغيرة، ويمنح للعيد معنى يظل حيا في القلوب.



Comments ( 0 )