إن السبب في انتشار نيتشه، وأفكاره أكثر من بقية الفلاسفة، يعود إلى عراكه حتى الموت ضدّ القيم السائدة، ونبذه لها، ما ساعد في وصولها إلى الناس، بغض النظر عن رفضها، وخشية الخوض فيها، وتكمن خطورة انتشار أفكاره على هذه العقول الكسولة، في كونه يدفع بها لتحمل المسؤولية، والمجازفة بأمنها الفكري والعقَديّ، وزعزعة ما تشبث بهم من الأفكار التربوية التقليدية. ولعل أفكاراً من قبيل تمجيد الفرد، ونبذ الأخلاق، والأخلاقياتِ المتسامحة، قد تدفع مجتمعات بكاملها إلى الانتفاض ضدها، ونبذ صاحبها، ومن يتقاطعون معه في قبولها والعمل بها، ومن شأنها كذلك أن تخرج مارد الجهل من قمقمه، لتصدّ به ما يمس جوهر خوفها، ويعيد إليها طمأنينتها التي تنتزع بأي محاولة لتمرين الوعي، أو استعادته، ولعل كتابه الأشهر «هكذا تكلم زرادشت» “ainsi parlait zrahathousra”يمثل نموذجاً فعالاً للصدمة، التي يمكن أن تحدثها فكرة جديدة لدى جمهور لم يعتد سوى تكرار ما حصده من العلوم البدائية، إذ يصدم القارئ من بدايته بالنظرية التي ارتكزت عليها جل كتبه لاحقاً.
يخاطب نيتشه المنطقة المحظورة من الأدمغة البشرية، إذ لا يمكن لمن اعتاد القبول بالمسلّمات، واعتمد التلقي منهجية بديلة عن التفكير أن يستوعب فكراً ناقداً يحمل هذه الدرجة من الحدّية والصدام، ما يعني قطيعة مبكرة بين هذا الفكر، وبين الرغبة في تجديد الذهنية، وتوسعة قدرتها على النقاش والجدل، فالذين يركنون إلى الإجابات الجاهزة، والأفكار المعدّة مسبقاً، يكنّون عداوة مفرطة لكل ما من شأنه إيقاظ حس الشك والأسئلة. فلنجدد الفكر! بقلم: عمر غندون

