بعدما كانتْ لقرون من الزمن تعبيرا عن المكانة المتميزة للمرأة في النسيج المجتمعي لقبائل سوس، باتَتْ مواسمُ النساء المنظمة في هذه المنطقة مهددة بالانقراض، بفعل عدد من العوامل، بلْ إنَّ مواسمَ انقرضتْ فعليّا، في حينِ تُوشكُ أخرى على الانقراض.
وحسب دراسة أعدّها مركز الدراسات التاريخية والبيئية، قُدّمت نتائجُها الأولية مساء الأربعاء في مقر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط، فإنّ مواسمَ زالتْ من خريطة مواسم النساء بسوس، ومنها موسما “أنزي” و”ويجان”، نواحي مدينة تيزنيت، غيْر أنّ ذلك لم يقتصر على مواسم النساء فحسب، بل إنّ الانقراض طالَ أيضا بعض مواسمِ الرجال.
وفي حين لم تحدّد الدراسة التي أعدّها كلّ من الباحثيْن المحفوظ أسمهري ومبارك أيت عدي، أسباب انقراض مواسم النساء بسوس، إلا أنها أشارت إلى عامليْن أساسيّين، أوّلهما التحولات السوسيو ثقافية التي يشهدها المجتمع المغربي، والتي باتت تتنامى بوتيرة سريعة، خاصة مع مطلع تسعينّيات القرن الماضي.
ويُعبّر عنْ ذلك ما استقاهُ الباحثان اللذان أعدّا الدراسة من تصريحات أدلتْ بها نساءٌ، من قبيل: “مجتمعنا باتَ مثل المجتمع الفرنسي، حيثُ صارَ الرجال والنساء سواسية”، غيْرَ أنَّ المحفوظ أسمهري يرى أنَّ ثمّة سببا آخرَ ساهمَ بقُوة في انقراضِ بعض العاداتِ المتوارثة في القبائل الأمازيغية منذ قرون، وهو وسائلُ التكنولوجيا الحديثة.
وقدّمَ أسمهري مثالا على ذلك بانقراض نوع من الطقوس الغنائيّة نواحي مدينة طاطا، بعْدما صارت التكنولوجيا الحديثة؛ من آلات تصوير وهواتف محمولة مزوّدة بالكاميرات، قادرة على تخليص تلك التجمعات النسائية من إطار القبيلة الخاصّ، ووضعها أمام أنظار الجميع، وقال أسمهري: “التكنولوجيا الحديثة لا تنسجم مع العقليات السائدة في القبائل الأمازيغية المحافظة، ولعبتْ دورا كبيرا في تراجع هذه العادات”.
ويؤكد الباحث مبارك أيت عدي أنّ رغبة النساء في القبائل الأمازيغية في الاحتفاظ بأسرار مواسمهنّ ما زالَ قائما، رغم الانفتاح، مُوضحا أنَّ الوصولَ إلى المعلومة حوْلَ مواسم النساء بسوس لمْ يكن يسيرا، ولمْ يتمكّن الباحثان اللذان أعدّا الدراسة من الحديث سوى إلى النساء المتقدمات في السن، “أما الوصول إلى الفتيات في هذه المناطق والحديث إليهنّ فقدْ كانَ أمْرا صعبا، بلْ إنه طامة كُبرى”، يقول أيت عدّي.
لكنّ ذلك لا ينفي حصول تحوّل كبير في اتّجاه الانفتاح في القبائل الأمازيغية خلال العقدين الأخيرين على الخصوص، وتبرهن ذلك الصيغة التي تنظم بها مواسمُ النساء بسوس في الوقت الراهن، ففيما مضى كانت مواسم النساء حكرا على النساء، ولمْ يكن يُسمح للذكور بولوجها، بلْ إنّ وُجهاء القبائل كانوا يُخصّصون حرّاسا لمرافقة النساء منذ انطلاقتهنّ من بيوتهن إلى غاية بلوغ مكان انعقاد الموسم، ومع مطلع التسعينيات بدأت “الخصوصية النسائية” تتلاشى، وباتَ الاختلاط سائدا، وإنْ كانت النساء مازلن يشكّلن غالبيّة الزوار.
وقسم الباحثان اللذان أعدّا الدراسة المراحلَ التي مرّتْ منها مواسم النساء بسوس إلى ثلاثة مراحل؛ ففي المرحلة الأولى لنشأتها تميّزت هذه المواسم بكونها “مواسمَ نسوية بامتياز”، لا يُسمح بولوجها إلا للنساء، ثمّ جاءت المرحلة الثانية، حيث يُسمح للتاجر (الذكر) بولوج الموسم، لكن بشروط صارمة، من قبيل أنْ يكونَ متزوجا. واعتبر المحفوظ أسمهري وضع شروط لولوج الرجال إلى مواسم النساء يُعبّر عن “عبقريّة الإنسان المحلي”؛ أما المرحلة الثالثة فتميّزت بـ”رفع الحظر” عن دخول الذكور إلى مواسم النساء.
وعلى الرّغم من “انكسار الخصوصيّة النسائية” –حسب تعبير مبارك أيت عدي- منذ مطلع تسعينيات القرْن الماضي، وانهيار الأسوار التي كانتْ تحجبُ النساء في مواسمهنّ السنويةّ، إلا أنَّ ثمّة معتقداتٍ ما زالتْ سائدة، تحولُ دونَ انهيار جميع الحواجز، فالذكور مايزالون يعتبرون أنْ ليس من “الرجولة” الاقتراب من الأضرحة التي تُقام بجوارها المواسم وولوجها، وأنّ ذلك “خاص” بالنساء.
أما في المواسم التي يُسْمح فيها للشبان والشابات بالالتقاء للتعارْف قصْد الزواج، فما زالت اللقاءاتُ مُؤطّرة بعدد من المعتقدات التي تُبقي حواجزَ الاحترام بيْن طرفي اللقاء قائمة، ومنْ ذلك الاعتقادُ السائد بأنَّ الفتى إذا رمَش عيْنه للفتاه حينَ يحادثها تُصابُ عيْنه بالعمى، ومنْ مدّ يده ليلمس فتاة شُلتْ يده.

