حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بقلم: عبدالإله بوكرن

يُقصد بالنفاذ المعجل تمكين المقرر القضائي من اكتساب قابلية التنفيذ، رغم عدم استنفاده لمختلف طرق الطعن أو عدم حيازته لقوة الشيء المقضي به بصورة نهائية، وذلك على سبيل الاستثناء من الأصل العام الذي يقضي بربط التنفيذ القضائي باستقرار المقرر القضائي واستنفاد طرق الطعن ذات الأثر الموقف للتنفيذ.

ويأخذ النفاذ المعجل، من حيث مصدره، صورتين أساسيتين: نفاذ معجل قضائي تستمد فيه المحكمة سلطتها في الأمر بالتنفيذ المعجل من مقتضيات القانون وبناء على طلب من له المصلحة، ونفاذ معجل قانوني يرتب المشرع آثاره بقوة القانون، دون حاجة إلى تضمين الحكم أو الأمر القضائي مقتضى خاصا بشأنه.

وتكتسي الأوامر الاستعجالية خصوصية بارزة في هذا المجال، اعتبارا لطبيعة القضاء الاستعجالي ووظيفته المتمثلة في توفير حماية قضائية وقتية وسريعة، واتخاذ التدابير اللازمة لدرء خطر حال أو وشيك، دون المساس بجوهر الحق أو الفصل في أصل النزاع.

وفي ظل قانون المسطرة المدنية السابق، كان الفصل 153 يكرس مبدأ شمول الأوامر الاستعجالية بالتنفيذ المعجل بقوة القانون، وهو ما أضفى على هذا التنفيذ حماية إجرائية قوية، بالنظر إلى أن الطعن في الأمر الاستعجالي لم يكن، من حيث الأصل، ليحول دون تنفيذه. وقد كان ذلك منسجما مع فلسفة القضاء الاستعجالي، إذ إن تعليق التنفيذ لمجرد ممارسة طريق من طرق الطعن من شأنه أن يفرغ الحماية الاستعجالية من مضمونها، ويجردها من عنصر السرعة الذي يشكل جوهرها.

غير أن المشرع، بموجب القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، أدخل تحولا نوعيا على هذا النظام. فقد حافظ، بمقتضى المادة 230، على القاعدة المتمثلة في شمول الأوامر الاستعجالية بالتنفيذ المعجل بقوة القانون، لكنه لم يعد يتعامل مع هذه القاعدة باعتبارها حصانة مطلقة تحول دون إمكانية إيقاف التنفيذ.

ذلك أن المادة 231 فتحت إمكانية إيقاف التنفيذ المعجل بقوة القانون، متى كان يُخشى من ترتب ضرر جسيم عن التنفيذ.

ويشكل هذا المقتضى أحد أبرز مستجدات القانون الجديد، إذ إن المشرع لم يتجه إلى إلغاء النفاذ المعجل القانوني للأوامر الاستعجالية، وإنما أعاد صياغة حدوده وآثاره، من خلال الانتقال من حصانة التنفيذ المعجل إلى قابلية هذا التنفيذ للإيقاف على سبيل الاستثناء.

ومن ثم، فإن التعبير عن هذا التحول بـ “هدم حصانة النفاذ المعجل القانوني” يجد أساسه في كون المشرع لم يعد يجعل القوة التنفيذية المستمدة مباشرة من القانون بمنأى مطلق عن الرقابة القضائية، وإنما أقر إمكانية التدخل لإيقافها متى ثبت أن التنفيذ من شأنه أن يرتب ضررا جسيما.

ولا يعني ذلك أن مجرد استئناف الأمر الاستعجالي يترتب عنه وقف تنفيذه؛ إذ يظل النفاذ المعجل هو الأصل، ويظل الأمر الاستعجالي قابلا للتنفيذ رغم الطعن فيه. وإنما أصبح للمحكوم عليه، في ظل القانون الجديد، أن يسلك مسطرة خاصة ترمي إلى إيقاف التنفيذ، شريطة إثبات أو قيام خشية جدية من وقوع ضرر جسيم بسبب التنفيذ.

وبذلك، فإن مجرد الطعن لا يكفي لإيقاف التنفيذ، كما أن مجرد المنازعة في سلامة الأمر الاستعجالي لا تنهض، في حد ذاتها، سببا لذلك، وإنما يتعين أن ينضاف إلى ذلك عنصر موضوعي يتمثل في احتمال وقوع ضرر جسيم من شأنه أن يجعل استمرار التنفيذ مؤديا إلى نتائج يتعذر تداركها أو إصلاح آثارها بصورة فعالة.

أما من حيث الجهة القضائية المختصة، فقد عهد القانون الجديد بمهمة النظر في طلب إيقاف التنفيذ المعجل بقوة القانون إلى الرئيس الأول أو رئيس القسم المتخصص أو من ينوب عنهما، بحسب الأحوال. ويكشف هذا الاختصاص عن إرادة تشريعية في إخضاع طلب الإيقاف لتقدير قضائي خاص، يوازن بين مبررات التنفيذ الفوري من جهة، وخطورة النتائج المترتبة عنه من جهة أخرى.

وتتجلى خصوصية هذه المسطرة في كونها لا تستهدف إعادة مناقشة أصل النزاع، ولا تشكل طريقا للطعن في الأمر الاستعجالي، وإنما تنصرف إلى تقدير أثر التنفيذ ذاته ومدى ما يمكن أن يترتب عنه من ضرر جسيم.

ومن هذه الزاوية، فإن معيار الضرر الجسيم يشكل حجر الزاوية في النظام الجديد؛ إذ لا يكفي أن يكون التنفيذ مرهقا أو غير ملائم لمصلحة المنفذ عليه، وإنما ينبغي أن يبلغ الضرر درجة من الجسامة تبرر، استثناء، تعطيل الأثر التنفيذي الذي قرره المشرع بقوة القانون.

ويظهر من ذلك أن المشرع سعى إلى تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات الفعالية القضائية ومتطلبات حماية الحقوق. فمن جهة، أبقى على التنفيذ المعجل بقوة القانون ضمانا لفعالية القضاء الاستعجالي وعدم تعطيل التدابير الوقتية بمجرد الطعن فيها. ومن جهة أخرى، أقر إمكانية وقف هذا التنفيذ متى كان من شأنه إحداث ضرر جسيم بالمنفذ عليه.

وعليه، فإن غاية المشرع لا تتمثل في تغليب أحد الطرفين بصورة مطلقة، وإنما في إقامة معادلة إجرائية متوازنة قوامها: حماية فعالية الأمر الاستعجالي دون تحويل النفاذ المعجل إلى وسيلة لإحداث ضرر جسيم يتعذر تداركه.

وبالمقارنة بين القانونين القديم والجديد، يتضح أن التطور التشريعي لا يكمن في إقرار النفاذ المعجل للأوامر الاستعجالية، إذ كان هذا المبدأ مستقرا في ظل القانون السابق، وإنما يتمثل أساسا في إخضاع النفاذ المعجل القانوني، لأول مرة في هذا السياق، لإمكانية الإيقاف الاستثنائي متى توافرت شروطه القانونية.

وبذلك يكون المشرع قد انتقل من منطق يقوم على حصانة التنفيذ المعجل القانوني إلى منطق يقوم على قابلية هذه الحصانة للرفع استثناءً، دون المساس بالأصل المتمثل في التنفيذ الفوري للأوامر الاستعجالية.

ومن ثم، فإن المستجد الذي حمله القانون رقم 58.25 يمكن اختزاله في معادلة قانونية دقيقة:

النفاذ المعجل بقوة القانون هو الأصل، وإيقافه استثناء، والضرر الجسيم هو مناط هذا الاستثناء.

وهو توجه يعكس تطورا في فلسفة التنفيذ القضائي بالمغرب، من خلال الانتقال من مجرد ضمان سرعة تنفيذ المقرر الاستعجالي إلى تحقيق توازن بين السرعة والفعالية من جهة، وضمانات المحكوم عليه وحمايته من الآثار الجسيمة للتنفيذ من جهة أخرى.

وبذلك لم يهدم المشرع الجديد خصوصية القضاء الاستعجالي، وإنما هدم الحصانة المطلقة للنفاذ المعجل القانوني، وأقام مكانها نظاما أكثر مرونة يزاوج بين مقتضيات الحماية القضائية العاجلة ومتطلبات العدالة الإجرائية.