يتمتع الأستاذ حميد الرحاوي بتكوين أكاديمي وقانوني عميق، مكّنه من التنزيل العملي لتوجيهات رئاسة النيابة العامة الهادفة إلى ترسيخ مفهوم الأمن القضائي داخل المحاكم ومحيطها، والتصدي الحازم لكل أشكال الوساطة غير القانونية وجلب المتقاضين، بما يعزز ثقة المواطنين في القضاء ويؤكد أن القانون فوق الجميع.
وقد مكّنته خبرته الطويلة من استيعاب فلسفة النصوص القانونية، والتمييز بين حرفية القانون وروحه. فهو من تدرج في سلك القضاء واطلع على دهاليز المحاكم، وهو ما انعكس بوضوح على ممارسته اليومية للدعوى العمومية، من خلال قرارات مؤسسة على تعليل قانوني سليم، وتقدير دقيق للوقائع، مع استحضار دائم لمبادئ الشرعية والإنصاف وحماية الحقوق والحريات، والسهر المستمر على حسن سير العدالة بحياد وجرأة وتجرد.
ومن أبرز مميزات الأستاذ حميد الرحاوي أنه وضع حدًا لحالة التسيب التي عاشتها المحكمة الابتدائية بالناظور، وأعاد تخليق الحياة العامة داخل النيابة العامة، وذلك بحَثّ جميع الموظفين ونواب وكيل الملك على استقبال المتقاضين والإنصات إلى همومهم، والرجوع إليه شخصيًا في الحالات المستعصية. وقد خلق هذا التوجه جوًا إيجابيًا جديدًا داخل المحكمة، شمل جميع مكونات منظومة العدالة من قضاة الحكم وموظفي كتابة الضبط وهيئة الدفاع والضابطة القضائية، في إطار علاقة قوامها الاحترام المتبادل، وتقدير الأدوار، والإيمان بأن العدالة عمل جماعي لا يتحقق إلا بتضافر الجهود وتكامل المسؤوليات.
وقد أسهم هذا النهج في خلق مناخ مهني صحي داخل المحكمة الابتدائية بالناظور، تُعالج فيه الملفات في إطار قانوني جاد ومنضبط، بعيدًا عن التوتر أو التصادم غير المنتج.
كما يُحسب للأستاذ حميد الرحاوي تطهير المحكمة ومحيطها من تجار المآسي وسماسرة المحاكم، الذين اعتادوا التجول ببهو المحكمة واصطياد الضحايا. ولم يقتصر دور السيد وكيل الملك على العمل القضائي الصرف، بل حرص على الانفتاح المسؤول على فعاليات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية والهيئات المهتمة بقضايا الأسرة والأطفال في وضعية صعبة، وذلك في إطار احترام تام لاستقلال القضاء وحدود الاختصاص.
هذا الانفتاح لم يكن شكليًا، بل نابعًا من قناعة راسخة بأن العدالة، بمفهومها الحداثي، لا تنفصل عن محيطها المجتمعي، وأن حماية الفئات الهشة ومحاربة بعض الظواهر الاجتماعية تتطلب تنسيقًا مؤسساتيًا وتواصلاً عقلانيًا، خاصة بالنظر إلى خصوصية المنطقة باعتبارها معبرًا حدوديًا ونقطة سوداء في مجال تهريب المخدرات.
ويُحسب لوكيل الملك الأستاذ حميد الرحاوي حرصه على التنزيل السليم لتوجهات السياسة الجنائية كما سطرتها رئاسة النيابة العامة، وفق منظورها الجديد للحقوق والحريات. ويتجلى ذلك بوضوح في تعامله مع ملفات ترشيد الاعتقال الاحتياطي، حيث جعل من هذا الورش أولوية عملية، من خلال اعتماد الاعتقال كإجراء استثنائي، وتفعيل البدائل القانونية كلما توفرت شروطها، انسجامًا مع قرينة البراءة ومتطلبات حماية الحقوق والحريات.
ولم تكن طريق السيد وكيل الملك مفروشة بالورود، إذ سرعان ما توحد تجار المآسي وسماسرة المحاكم ودعاة الفساد في شن حملات تشهيرية قوامها الافتراء والكذب، للنيل من سمعة رجل تصدى للفساد والمفسدين. ولم تتردد بعض الأقلام المأجورة في بلوغ أقصى درجات الدناءة، بنشر صوره الشخصية بهدف الضغط عليه، وهو ما يعكس حجم الضرر الذي لحق مصالحهم، وما يضمرونه من حقد وكراهية.
ورغم ذلك، ظل الأستاذ حميد الرحاوي شامخًا أمام الرياح العاتية والأمواج المتلاطمة، متسلحًا بتكوينه الرصين وقناعته الصادقة، خدمةً للعدالة وحسن سيرها، بالصرامة والجدية المطلوبة، وبكل حياد وتجرد ونزاهة. وفاءً لنهجه القويم القائم على العمل في صمت، والاحتكام إلى القانون وسيادته، والضمير المهني، والالتزام بتوجيهات المؤسسة، كان أداؤه الميداني خير رد على دعاة الفساد ومناصريه.

