موسم أبي يعزى يلنور يحتفي بالتراث الصوفي في ندوة علمية

في إطار العناية بالثوابت الدينية والوطنية، وتنزيلا لمضامين الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى علماء الأمة، احتفاء بمرور خمسة عشر قرنا على مولد خير البرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، احتضنت دار الشباب بمنطقة مولاي بوعزة بإقليم خنيفرة، يوم الثلاثاء 05 ماي 2026، ندوة علمية متميزة بحضور عامل الإقليم وعدد من المسؤولين والفاعلين الدينيين والمدنيين، نُظمت في إطار فعاليات الموسم السنوي للولي الصالح أبي يعزى يلنور برسم سنة 1447هـ / 2026م، في لحظة علمية وروحية عكست مكانة هذا الفضاء الصوفي العريق داخل وجدان المغاربة.

وقد جاء تنظيم هذه الندوة ثمرة تنسيق مؤسساتي بين المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، وعمالة الإقليم، والمجلس الإقليمي، والجماعة الترابية لمولاي بوعزة، إلى جانب جمعية أبي يعزى يلنور للثقافة والتنمية المستدامة، وهو ما يعكس حجم الوعي الجماعي بأهمية صون التراث اللامادي، وخاصة ما يرتبط منه بالتصوف المغربي باعتباره أحد أعمدة الهوية الدينية والثقافية للمملكة.

وانعقدت أشغال هذه الندوة تحت عنوان “دور التراث الصوفي المغربي في خدمة السيرة النبوية”، وهو عنوان يفتح أفقا واسعا للتأمل في العلاقة العميقة بين التجربة الصوفية المغربية والهدي النبوي الشريف، باعتبار التصوف امتدادا عمليا لقيم السيرة في بعدها التربوي والأخلاقي. وقد استُهلت الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم بصوت الإمام والخطيب شبيب فضل الرحمن، في أجواء روحانية خاشعة أعادت الحضور إلى أجواء الصفاء والتدبر، تلتها لحظة رمزية تم خلالها الاستماع إلى النشيد الوطني، في لحظة جسدت روح الانتماء الوطني.

وعرفت الجلسة الافتتاحية إلقاء كلمات ترحيبية، استهلها خالد الميموني، رئيس جماعة مولاي بوعزة، وأبرز فيها أن هذه التظاهرة تشكل إضافة نوعية في تعزيز الإشعاع الثقافي والديني للمنطقة وربط حاضرها بعمقها التاريخي والروحي. ومن جهته، أكد مولاي أحمد تجاني نصيري، رئيس جمعية أبي يعزى يلنور، الدور الحيوي للمجتمع المدني في حفظ الذاكرة الصوفية وتثمينها، ليس فقط كموروث تاريخي، بل كقيمة حية تستمر في تشكيل الوعي الجماعي. أما الدكتور عباس أدعوش، رئيس المجلس العلمي المحلي لخنيفرة، فقد توقف عند خصوصية التصوف المغربي، مبرزا إسهامه في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح المستمدة من السيرة النبوية الشريفة.

وشهدت الندوة تقديم مداخلتين علميتين شكلتا صلب النقاش العلمي، حيث تناولت المداخلة الأولى للدكتور عباس أدعوش موضوع “صور من حضور السيرة النبوية في التصوف المغربي”، مستعرضا كيف تحولت السيرة النبوية إلى منهج سلوكي وتربوي داخل التجربة الصوفية المغربية، بما يعكس عمق الارتباط الروحي بين التصوف والمرجعية النبوية. أما المداخلة الثانية، التي ألقاها الأستاذ عبد الكريم عدنان، فقد جاءت تحت عنوان “القيم النبوية في التصوف المغربي: أبو يعزى يلنور نموذجا”، حيث أبرز من خلالها النموذج الروحي والتربوي الذي يجسده هذا الولي الصالح، وما يحمله من إشعاع قيمي ما زال حاضرا في الذاكرة الروحية المغربية.

وتواصلت أشغال هذا اللقاء العلمي بتلاوة نص البرقية المرفوعة إلى السدة العالية بالله، الملك محمد السادس نصره الله، من طرف الأستاذ محمد أوباعلا، أعقبتها فقرة الدعاء الصالح لأمير المؤمنين، في أجواء طبعتها السكينة والخشوع، وعكست عمق الارتباط بالثوابت الدينية والوطنية.

وعلى هامش هذه الندوة، قام عامل إقليم خنيفرة، مرفوقا بوفد رسمي، بزيارة إلى ضريح الولي الصالح أبي يعزى يلنور، حيث تمت تلاوة آيات من الذكر الحكيم، ورفع الدعاء بأن يحفظ الله أمير المؤمنين الملك محمد السادس، ويمده بموفور الصحة والعافية، وأن يقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة. كما تمت قراءة الفاتحة ترحما على روح الشيخ أبي يعزى يلنور، واستحضارا لدوره في نشر قيم التصوف السني القائم على الوسطية والاعتدال.

ويأتي تنظيم هذه الندوة في سياق العناية المتواصلة التي يوليها المغرب لتراثه الديني والروحي تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين، حيث يشكل التصوف المغربي أحد أهم الروافد التي تسهم في ترسيخ قيم التسامح والتعايش وصون الهوية الوطنية. كما تعكس هذه المبادرات العلمية والدينية المكانة الخاصة التي تحظى بها الزوايا والأضرحة في وجدان المغاربة، باعتبارها فضاءات لإحياء الروح وتثبيت الأمن الروحي للمجتمع.

وهكذا تظل مولاي بوعزة، من خلال هذا الموعد السنوي، فضاء حيا يجمع بين عمق التاريخ ودفء الروح، ويجدد باستمرار صلتها بتراثها الصوفي العريق، في مسار يزاوج بين حفظ الذاكرة واستشراف المستقبل.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

المقال التالي