بقلم الطالب الباحث: عبد الإله بوكرن
يُعد الحق في الدفاع من أهم مرتكزات المحاكمة العادلة، فهو ليس مجرد ضمانة إجرائية، وإنما حق دستوري مكفول بموجب الدستور المغربي، كما يجد سنده في قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، فضلا عن تكريسه في مختلف القوانين الداخلية.
ويكتسي الحق في الاستعانة بمحام أهمية خاصة في المادة الجنائية، بالنظر إلى خطورة الآثار التي يمكن أن تترتب عن المتابعة والحكم على المتهم، وما قد يترتب عن ذلك من مساس بحريته وحقوقه.
وقد جعل المشرع المغربي، كقاعدة عامة، مسألة تعيين المحامي اختيارية، باعتبار أن للمتهم أن يختار الدفاع عنه أو أن يمارس حقه في الدفاع بنفسه، غير أن هذه القاعدة ترد عليها استثناءات محددة حصرها المشرع صراحة، بحيث تصبح مؤازرة المحامي أمرًا إلزاميًا متى تحققت إحدى الحالات التي نص عليها القانون.
ومن بين أهم هذه الحالات ما نصت عليه المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، التي أوجبت مؤازرة المحامي في الأحوال التي يكون فيها المتهم معرضًا للحكم عليه بالإبعاد من محل إقامته.
وتبرز أهمية هذه المقتضيات بشكل خاص في قضايا المخدرات، بالنظر إلى العلاقة المباشرة بين المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية والفصل 7 من ظهير 21 ماي 1974 المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين عليها، والذي أتاح للمحكمة الحكم، في الحالات التي حددها القانون، بتدبير المنع من الإقامة، فضلًا عما نص عليه الفصل 13 من الظهير نفسه بشأن المنع من الإقامة بالنسبة للأجنبي، بما يجعل بحث مدى إلزامية مؤازرة المحامي في هذه القضايا ذا أهمية خاصة، بالنظر إلى طبيعة التدبير وآثاره على المركز القانوني للمتهم.
وعليه، فإن دراسة مدى إلزامية تنصيب المحامي في قضايا المخدرات تقتضي الوقوف أولًا على الأساس القانوني لإلزامية المؤازرة وحدودها، ثم انعكاس إلزامية المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية على قضايا المخدرات ثانيا.
أولا: تنصيب المحامي بين الاختيارية والإلزامية.
1- القواعد العامة لتنصيب المحامي في المادة الجنائية.
يقوم النظام الإجرائي الجنائي على قاعدة مفادها أن للمتهم الحق في الاستعانة بمحام، دون أن يكون تنصيب هذا الأخير إلزاميًا في جميع القضايا.
فالأصل إذن هو الاختيار، باعتبار أن المتهم يملك، من حيث المبدأ، حرية اختيار محام للدفاع عنه أو ممارسة دفاعه بنفسه، متى لم تكن القضية داخلة ضمن الحالات التي أوجب فيها القانون المؤازرة.
وتجدر الإشارة، تمييزًا بين درجتي الجرائم، إلى أن المشرع ميّز في هذا الصدد بين الجنايات والجنح؛ فمؤازرة المحامي إلزامية أمام غرفة الجنايات، في حين تبقى اختيارية في مادة الجنح كقاعدة عامة، ما لم تندرج القضية ضمن الاستثناءات المحددة قانونًا.
2- الحالات الاستثنائية لإلزامية تنصيب المحامي طبقا للمادة 316 من ق م ج.
لم يترك المشرع مسألة إلزامية المحامي دون ضوابط، وإنما حدد على سبيل الحصر حالات تنتقل فيها مؤازرة المحامي من مجرد حق للمتهم إلى التزام إجرائي واجب الاحترام.
ومن أبرز هذه الحالات، إلى جانب إلزاميتها في الجنايات:
– كون المتهم حدثًا؛
– كون المتهم أبكم أو أعمى أو مصابًا بأي عاهة أخرى؛
– كون المتهم معرضًا للحكم عليه بالإبعاد من محل إقامته؛
– الحالة المنصوص عليها في الفقرة الرابعة من المادة 312 من قانون المسطرة الجنائية.
وتكمن أهمية الحالة المتعلقة بالتعرض للإبعاد في أن المشرع لم يشترط أن يكون الحكم بالإبعاد قد صدر فعلًا، وإنما يكفي أن يكون المتهم معرضًا قانونًا لهذا الحكم. وهذا يعني أن مناط الإلزام هو وجود إمكانية قانونية للحكم بالإبعاد، وليس تحقق هذا الحكم في النتيجة النهائية للدعوى.
كما يُستفاد من ذلك أن استعمال المشرع لعبارة «معرضًا للحكم عليه بالإبعاد» بدلًا من عبارة «المحكوم عليه بالإبعاد» له دلالة قانونية مهمة؛ إذ لو كان المقصود جعل المؤازرة إلزامية فقط بعد صدور الحكم بالإبعاد، لما كانت هناك حاجة إلى استعمال عبارة «معرضًا للحكم».
والمقصود هو أن الضمانة يجب أن تتوفر أثناء المحاكمة، أي في الوقت الذي يكون فيه المتهم مهددًا قانونًا بالحكم بالتدبير المذكور، حتى يتمكن دفاعه من ممارسة دوره بصورة فعالة.
وبالتالي، لا يستقيم القول إن مؤازرة المحامي تصبح اختيارية لمجرد أن المحكمة انتهت في النهاية إلى عدم الحكم بالإبعاد أو المنع من الإقامة، لأن معيار المادة 316 يتعلق بالوضعية القانونية للمتهم أثناء نظر الدعوى، لا بمآل الحكم.
ثانيا: انعكاس إلزامية المادة 316 من ق م ج على قضايا المخدرات.
1- العلاقة بين الفصلين 7 و13 من ظهير المخدرات والمادة 316 من قانون المسطرة الجنائية.
تتجلى أهمية مسألة التعرض للإبعاد بصورة واضحة في قضايا المخدرات. فقد نص الفصل 7 من ظهير 21 ماي 1974 على إمكانية الحكم، في الحالات التي يشملها الظهير، إلى جانب العقوبات الأصلية، بالتدبير الوقائي المتمثل في المنع من الإقامة لمدة تتراوح بين خمس سنوات وعشرين سنة.
وبذلك يكون المشرع قد أوجد بالنسبة للجرائم التي يشملها النص، إمكانية قانونية للحكم بتدبير المنع من الإقامة. وهنا تتدخل المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، التي جعلت مؤازرة المحامي إلزامية في الأحوال التي يكون فيها المتهم معرضًا للحكم عليه بالإبعاد من محل إقامته.
ولا يقف الأمر عند الفصل 7، إذ إن الفصل 13 من الظهير نفسه تناول وضعية الأجنبي، ونص على إمكانية الحكم بمنعه من الإقامة، بما يجعل التدبير المذكور ذا صلة مباشرة بالمركز القانوني للأجنبي المتابع من أجل إحدى الجرائم التي يشملها ظهير المخدرات.
ومن خلال قراءة هذه المقتضيات مجتمعة، تتضح العلاقة بينها وفق التسلسل التالي:
– الفصل 7 من ظهير المخدرات يقرر إمكانية الحكم بالمنع من الإقامة في الحالات التي حددها القانون؛
– الفصل 13 من الظهير نفسه يقرر المنع من الإقامة بالنسبة للأجنبي في الحالات المنصوص عليها قانونًا؛
– إمكانية الحكم بالمنع من الإقامة تعني أن المتهم يكون معرضًا قانونًا لتدبير يمس حقه في الإقامة؛
– المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية تجعل مؤازرة المحامي إلزامية عندما يكون المتهم معرضًا للحكم عليه بالإبعاد من محل إقامته؛
لنخلص إلى نتيجة مفادها انه متى كانت المتابعة من الحالات التي يجيز فيها ظهير المخدرات الحكم بالمنع من الإقامة، سواء تعلق الأمر بالحالات المنصوص عليها في الفصل 7 أو بالحالة الخاصة بالأجنبي المنصوص عليها في الفصل 13، فإن مسألة إلزامية المؤازرة تطرح بقوة متى كان المتهم معرضًا للتدبير الذي يندرج ضمن الحالة التي استهدفها المشرع بالمادة 316 من قانون المسطرة الجنائية.
وهكذا، فإن إلزامية المحامي لا تُستمد من مجرد كون القضية تتعلق بالمخدرات، وإنما من الأثر القانوني الذي قد يترتب عن المتابعة والحكم، والمتمثل في إمكانية إخضاع المتهم لتدبير المنع من الإقامة، وهو ما يقتضي بحث مدى انطباق الحالة المنصوص عليها في المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية على هذه التدابير. 2- إلزامية المحامي كضمانة لحقوق الدفاع وموقف الاجتهاد القضائي
إن اعتبار المؤازرة إلزامية في هذه الحالة ينسجم مع الغاية الأساسية من تكريس الحق في الدفاع باعتباره أحد مرتكزات المحاكمة العادلة. فالمشرع عندما يقرر إلزامية المحامي في حالة معينة، فإنه يكون قد قدر أن طبيعة الجزاء المحتمل تستوجب وجود دفاع مهني إلى جانب المتهم. وبالتالي، لا يتعلق الأمر بمجرد إجراء شكلي، وإنما بضمانة قانونية الغاية منها تمكين المتهم من ممارسة دفاعه على نحو فعلي، خصوصًا عندما يكون معرضًا لتدبير قد يمتد أثره إلى سنوات طويلة أو يمس حقه في الإقامة داخل التراب الوطني.
كما أن إلزامية المؤازرة تقتضي من المحكمة احترام هذه الضمانة وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد خيار متروك لإرادة المتهم، متى تحققت الشروط التي حددها القانون. وفي هذا الصدد، جاءت المادة 317 من قانون المسطرة الجنائية لتعزيز هذه الإلزامية، من خلال إلزام رئيس الجلسة بتعيين محام فورًا للمتهم كلما تخلف المحامي المختار أو رفض القيام بمهمته، في الحالات التي تكون فيها المؤازرة إلزامية؛ وهو ما يؤكد أن غاية المشرع لم تكن إجازة المحاكمة في غياب الدفاع، وإنما ضمان استمرار هذه الضمانة طيلة مراحل المحاكمة.
وهو التوجه الذي سارت عليه محكمة النقض، المجلس الأعلى سابقًا، إذ اعتبرت أن مؤازرة المحامي للمتهم تكون إلزامية في القضايا الجنحية متى كان معرضًا للحكم عليه بالإبعاد من محل إقامته، وأن البت في القضية دون حضور دفاع المتهم، مع الاكتفاء بتعليله بكون المتهم قد تم إعلامه، لا يعفي المحكمة من واجبها في تعيين محامٍ آخر على الفور لمؤازرته، متى كانت المؤازرة إلزامية. وقد اعتبرت المحكمة أن عدم احترام هذه الضمانة يشكل خرقًا للقانون، ورتبت عنه النقض.
وقد جاء في قرارها عدد 532/8 الصادر بتاريخ 25 مارس 2009 في الملف عدد 6406/2008، أن المحكمة التي قضت بإدانة المتهم دون حضور دفاعه، وتذرعت بإعلامه، في حين كان لزامًا عليها تعيين محامٍ آخر على الفور لمؤازرته، تكون قد خرقت القانون.
ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة في موضوع قضايا المخدرات، لكونه يكرس بوضوح أن معيار إلزامية المؤازرة لا يرتبط فقط بنوع الجريمة، وإنما كذلك بإمكانية تعرض المتهم لتدبير الإبعاد من محل إقامته، وأن احترام هذه المؤازرة يشكل ضمانة إجرائية يتعين على المحكمة التقيد بها متى تحققت شروطها القانونية
وعليه فإن القول بأن المحامي في قضايا المخدرات مجرد خيار متروك للمتهم لا يستقيم متى كان هذا الأخير معرضًا قانونًا للحكم بالمنع من الإقامة. والنتيجة التي يمكن استخلاصها هي أنه متى كانت المتابعة من الجرائم التي يجيز فيها الفصلين 7 و 13 من ظهير 21 ماي 1974 الحكم بالمنع من الإقامة، وكان المتهم معرضًا قانونًا لهذا التدبير، فإن تنصيب المحامي لا يكون مسألة اختيارية، وإنما يصبح أمرًا إلزاميًا بمقتضى المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية.
وبذلك فإن العلاقة بين الفصلين 7 و 13 من ظهير المخدرات والمادة 316 من قانون المسطرة الجنائية ليست علاقة عرضية، وإنما علاقة تكامل تشريعي؛ فالأول ينشئ إمكانية الحكم بالمنع من الإقامة، والثاني يرتب على التعرض لهذا التدبير إلزامية المؤازرة بالمحامي، وهو ما يشكل، في تقديرنا، الأساس القانوني الذي يجعل تنصيب المحامي أمرًا إلزاميًا في الحالة محل البحث، ضمانًا لحقوق الدفاع وصيانة لمقتضيات المحاكمة العادلة.

