حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

“ما تبكيش ماما…ما تبكيش بابا أنا غادي لبلاصة زوينة”

في سهرة وفاء بأكادير.. الجمعية المغربية لتربية الشبيبة تمنح أميمة كموس حياة ثانية في الذاكرة

أكادير تحت سماء الليل، وعلى خشبة مضاءة بألوان الحنين، لم تكن تلك مجرد سهرة. كانت وصية. كانت وعداً. كانت رسالة من قلب إلى قلب.

الجمعية المغربية لتربية الشبيبة اختارت أن تودع ابنتها أميمة كموس على طريقتها: بالعطاء، بالكلمة، وبالأثر الذي لا يموت.

منصة تحولت إلى محراب للوفاء

وقفت إحدى أطر الجمعية، بلباس أبيض ناصع، في وسط المنصة. في يدها ميكروفون، وفي قلبها ثقل الغياب. خلفها ارتفعت ثلاث لوحات ضوئية عملاقة. في الوسط صورة لأميمة، مرسومة بخط رقيق، بابتسامتها التي “لم تفارق وجهها البشوش”. وعلى الجانبين، كلمات وصور تشهد على مسار فتاة عاشت للقضية.

الإضاءة كانت تتبدل: وردي، أزرق، أخضر… كأنها نبضات قلب لا يريد أن ينسى.

“مخيم الوداع”

لم تتحدث المتدخلة عن الموت. تحدثت عن الحياة.

“أميمة كانت جزءاً من عائلة الجمعية منذ نعومة أظافرها. كانت محبة للعمل الجمعوي، تحمل الرسالة التربوية بكل فخر وصدق، وخوف على الطفولة والشباب”.

واستحضرت آخر لقاء: “المخيم الوطني الحوزية لهذه السنة. كان مخيم وداع”.

زارتنا هناك بروحها المرحة، بضحكتها، لتودع عملاً أحبته بعمق. لم نكن نعلم أنه الوداع الأخير.

ثم جاءت الجملة التي أسكتت الجميع:

“ماتبكيش ماما أنا غادا لبلاصة زوينة”.

كانت هذه آخر كلماتها، بعد صراع مع المرض واجهته في صمت، كما عاشت كل شيء: بهدوء وقوة.

الوفاء ليس دمعة.. الوفاء استمرار

لكن السهرة لم تكن لتكون جنازة. كانت إعلان استمرار.

“الوفاء ليس أن نبكي من رحل، بل أن نحمل تركه من نوره. وأن نجعل من ذكراه بداية جديدة للعطاء”.

خاطبت الجمعية أبناءها: “نحن لا نودع أبناءنا بالنسيان. نمنحهم حياة أخرى في كل طفل نرافقه، وكل شاب نؤمن به، وكل حلم نزرعه رغم كل الفقر”.

وختمت كلمتها بجمل ستبقى:

“فالراحلون لا يموتون حين تغيب أنفاسهم، بل حين يتوقف الأحياء عن حمل رسالتهم”.

أثر لا يمحى

رحلت أميمة بجسدها، لكنها بقيت في كل مخيم، في كل ورشة، في كل ابتسامة طفل.

تركت خلفها وصية غير مكتوبة: “اصنعوا الإنسان، ازرعوا الأمل، واتركوا أثراً يُروى”.

في تلك الليلة بأكادير، لم تكن الجمعية تكرم فقيدة. كانت تجدد العهد.

عهد أن تبقى أميمة حية، ما دام هناك من يحمل المشعل.

رحم الله أميمة كموس. ولروحها السلام.