تدخل الحملات الانتخابية بالمغرب مرحلتها الحاسمة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، وسط تنافس بين الأحزاب السياسية والمترشحين على كسب ثقة الناخبين وحجز مقاعد بمجلس النواب، في استحقاقات تتصدرها قضايا التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والتنمية المجالية، وتطرح من جديد تساؤلات بشأن مدى قدرة البرامج الانتخابية على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وتحويل الوعود المعلنة إلى إجراءات ملموسة بعد انتهاء العملية الانتخابية.

وتشهد مختلف الدوائر الانتخابية بالمملكة تحركات ميدانية للمترشحين، تتنوع بين تنظيم التجمعات الخطابية واللقاءات التواصلية والجولات داخل الأحياء والأسواق الأسبوعية والمناطق القروية، في محاولة للتعريف بالبرامج الانتخابية والاقتراب من انشغالات السكان، فيما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً موازياً للتنافس السياسي، من خلال نشر مقاطع الفيديو والتصريحات والصور والرسائل الدعائية التي تستهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناخبين.

ويأتي هذا التنافس في سياق تتزايد فيه أهمية الملفات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً ما يتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل والخدمات الصحية والسكن، إلى جانب التفاوتات المجالية في توزيع التجهيزات والخدمات العمومية. وهي قضايا تضع الأحزاب والمترشحين أمام مطالب بتقديم أجوبة واضحة تتجاوز الخطابات العامة، وتحدد الإجراءات المقترحة لتنفيذ البرامج الانتخابية ومصادر تمويلها والآجال المرتبطة بها.

وفي الوقت الذي تركز فيه الأحزاب السياسية على عرض تصوراتها وبرامجها، يتجدد النقاش حول حصيلة الولاية البرلمانية والحكومية المنتهية، ومدى تنفيذ الالتزامات التي جرى تقديمها خلال الاستحقاقات السابقة. ويشمل هذا النقاش أداء الأحزاب التي شاركت في تدبير الشأن الحكومي، ومواقف ومبادرات التشكيلات التي مارست أدوار المعارضة، فضلاً عن مدى قدرة المترشحين على توضيح طبيعة المسؤوليات التي يعتزمون الاضطلاع بها في حال انتخابهم.

ولا يقتصر الرهان الانتخابي على استقطاب الناخبين خلال فترة الحملة، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة التي ستجمع المنتخبين بالمواطنين بعد الإعلان عن النتائج، ومدى استمرار التواصل معهم وإطلاعهم على الأنشطة البرلمانية والمبادرات التشريعية والرقابية المرتبطة بالقضايا المطروحة داخل دوائرهم الانتخابية.

وتبرز في هذا السياق أهمية التمييز بين الاختصاصات التي يخولها الدستور والقانون لأعضاء مجلس النواب، والمتمثلة أساساً في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، وبين المسؤوليات التنفيذية والتدبيرية التي تدخل ضمن اختصاصات الحكومة والجماعات الترابية وباقي المؤسسات المعنية. وهو تمييز يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الوعود التي يقدمها بعض المترشحين، ومدى ارتباطها بالإمكانيات والصلاحيات التي يمكنهم ممارستها فعلياً بعد انتخابهم.

وعلى مستوى البرامج الانتخابية، يحتل ملف التشغيل مكانة بارزة في النقاش السياسي، في ظل تطلعات الشباب إلى فرص عمل مستقرة ومداخيل تستجيب لمتطلبات الحياة اليومية. وتختلف المقترحات الحزبية بشأن آليات تحفيز الاستثمار ودعم المقاولات وتشجيع المبادرة الاقتصادية وتطوير التكوين المهني، مع بروز تساؤلات حول قدرة هذه الإجراءات على إحداث فرص شغل مستدامة وتقليص الفوارق بين الجهات.

كما يحضر ملف القدرة الشرائية بقوة في الخطاب الانتخابي، من خلال المقترحات المتعلقة بتحسين دخل الأسر ودعم الفئات الاجتماعية المتضررة من ارتفاع الأسعار وتعزيز الحماية الاجتماعية. وتثير هذه الالتزامات نقاشاً حول مصادر تمويلها ومدى تأثيرها المحتمل على التوازنات المالية والاقتصادية، خصوصاً عندما تتضمن وعوداً برفع الأجور أو توسيع برامج الدعم أو اعتماد إعفاءات وتخفيضات ضريبية.

وفي القطاع الصحي، تتجه مطالب المواطنين إلى تحسين الخدمات بالمستشفيات العمومية والمراكز الصحية، وتوفير الأطر الطبية والتمريضية والتجهيزات الضرورية، وتقليص الفوارق بين المناطق الحضرية والقروية في الولوج إلى العلاج. كما يطرح ملف التعليم تحديات مرتبطة بجودة التكوين وتأهيل المؤسسات التعليمية والحد من الهدر المدرسي وتوفير الظروف المناسبة للتمدرس، باعتباره أحد المحاور الأساسية التي تحضر في النقاشات المتعلقة بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

أما في العالم القروي، فتبرز مطالب مرتبطة بفك العزلة وتحسين الطرق والمسالك وتوفير الماء الصالح للشرب وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية ودعم الأنشطة الفلاحية والاقتصادية، في حين تحضر بالمجالات الحضرية ملفات النقل والسكن والتشغيل والنظافة والتوسع العمراني وجودة الخدمات العمومية. وتكشف هذه الاختلافات عن أهمية مراعاة الخصوصيات المحلية عند إعداد البرامج الانتخابية، بدلاً من الاكتفاء بطرح التزامات عامة لا تحدد طبيعة الحاجيات الخاصة بكل دائرة انتخابية.

وفي موازاة التنافس البرامجي، تطرح مشاركة الشباب والنساء في الحياة السياسية تحديات تتعلق بتوسيع قاعدة المشاركة الانتخابية وتعزيز حضور مختلف الفئات داخل المؤسسات المنتخبة. فبالنسبة إلى الشباب، لا يقتصر النقاش على تشجيعهم على التصويت، بل يشمل أيضاً مدى إشراكهم في إعداد البرامج السياسية وإتاحة فرص الترشح وتولي المسؤوليات داخل التنظيمات الحزبية والمؤسسات التمثيلية.

وتشكل الحملات الانتخابية مناسبة لتقييم طبيعة الخطاب الموجه إلى هذه الفئة، ومدى ارتباط المقترحات المقدمة بقضايا التشغيل والتكوين والسكن والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، في وقت يثير فيه موضوع الثقة في العمل السياسي تساؤلات حول قدرة الأحزاب على استقطاب الشباب والحفاظ على تواصل مستمر معهم خارج الفترات الانتخابية.

وتحضر مشاركة النساء بدورها ضمن النقاش المتعلق بالتمثيلية السياسية، سواء من حيث حضورهن في اللوائح الانتخابية أو داخل الهياكل الحزبية والمؤسسات المنتخبة، فضلاً عن طبيعة المسؤوليات التي يتولينها ومدى مشاركتهن في صياغة البرامج والقرارات العمومية.

وفي جانب آخر، يواكب تصاعد الأنشطة الانتخابية نقاش بشأن احترام القواعد القانونية المنظمة للحملات، خصوصاً ما يتعلق بتمويل الأنشطة الدعائية واستعمال الفضاءات العمومية وضمان حرية اختيار الناخبين ومنع الممارسات التي من شأنها التأثير غير المشروع على إرادتهم.

وتخضع الحملات الانتخابية بالمغرب لمقتضيات قانونية تحدد شروط تنظيم الأنشطة الدعائية وضوابط الإنفاق الانتخابي والممارسات المحظورة، بما في ذلك تقديم الأموال أو الهدايا أو المنافع مقابل الحصول على الأصوات، أو اللجوء إلى التهديد والتخويف للتأثير على الناخبين. كما تخضع حسابات الحملات الانتخابية للمراقبة وفق المساطر القانونية المعمول بها، بما يتيح للجهات المختصة فحص مصادر التمويل والنفقات المصرح بها.

وتزداد أهمية هذه الضوابط مع اتساع استعمال الوسائط الرقمية في الدعاية الانتخابية، حيث أصبحت المنصات الاجتماعية وسيلة رئيسية للترويج للبرامج والمواقف السياسية ونشر التصريحات والأنشطة الميدانية، لكنها تتيح في الوقت نفسه انتشار الأخبار غير الدقيقة والمقاطع المجتزأة والصور والمحتويات المعدلة رقمياً.

ويضع هذا التحول وسائل الإعلام أمام مسؤولية التحقق من المعلومات المتداولة، والتمييز بين التغطية الصحفية والإعلانات الانتخابية، وتقديم التصريحات في سياقها الصحيح، مع احترام التعددية السياسية وإتاحة الفرصة لمختلف الأطراف لعرض مواقفها والرد على القضايا التي تخصها.

كما يفرض استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتويات المرئية والصوتية تحديات إضافية تتعلق بإمكانية تداول صور أو تسجيلات توحي بوقائع لم تحدث، أو تنسب تصريحات إلى أشخاص لم يدلوا بها. وهو ما يبرز أهمية التحقق من مصدر المواد المنشورة قبل اعتمادها في التغطيات الصحفية أو تداولها باعتبارها أحداثاً موثقة.

ومع اقتراب يوم الاقتراع، يتجدد التساؤل حول مدى قدرة الأحزاب السياسية على تحويل الحملات الانتخابية إلى نقاش عمومي يتناول حصيلة السياسات السابقة والبدائل المقترحة للمستقبل، ويتيح للمواطنين الاطلاع على البرامج والمقارنة بين الالتزامات المعلنة، بعيداً عن اختزال التنافس في الحضور الميداني أو حجم التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في ظل اختلاف طبيعة المسؤوليات التي يمارسها المنتخبون، إذ إن معالجة عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية تتطلب قرارات حكومية واستثمارات عمومية وتنسيقاً بين مؤسسات متعددة، بينما يتيح العمل البرلماني للمنتخبين المساهمة في التشريع ومساءلة الحكومة وتتبع السياسات العمومية وتقييم نتائجها.

وتنتقل العملية الانتخابية، بعد انتهاء فترة الحملة، إلى مرحلة التصويت وفرز الأصوات والإعلان عن النتائج وفق المساطر المعمول بها، قبل استكمال الإجراءات المؤسساتية التي ستحدد تركيبة مجلس النواب والتوازنات السياسية خلال الولاية التشريعية المقبلة.

وبين ما تعرضه الأحزاب من وعود خلال اللقاءات الانتخابية وما ستفرزه صناديق الاقتراع، تبقى الأسئلة المرتبطة بتنفيذ البرامج ومحاسبة المسؤولين وتتبع الالتزامات حاضرة في النقاش العمومي، باعتبارها قضايا لا تنتهي بانتهاء الحملات أو الإعلان عن النتائج.

وفي انتظار ما ستسفر عنه استحقاقات 23 شتنبر 2026، يظل التحدي المطروح أمام مختلف الفاعلين السياسيين مرتبطاً بكيفية الانتقال من مرحلة عرض التصورات واستقطاب الأصوات إلى مرحلة ممارسة المسؤولية وتقديم الأجوبة عن القضايا التي تشغل المواطنين، فيما تبقى الكلمة لصناديق الاقتراع، وللناخبين حرية تحديد اختياراتهم وفق البرامج والمواقف والمعطيات المتاحة لهم.