النبأ المغربية | تقرير تحليلي
تتجه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية إلى تعزيز استعداداتها لمواجهة الأزمات المحتملة، من خلال تطوير خطط لتأمين الطاقة والغذاء والمياه والاتصالات وحماية البنيات التحتية الحيوية، في تحركات تجمع بين الاستعدادات العسكرية والتدابير المدنية، وتثير تساؤلات بشأن المخاطر التي تدفع الحكومات إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية، ومدى ارتباط هذه الإجراءات بالتوترات الدولية والهجمات الإلكترونية والكوارث الطبيعية.
وتأتي هذه التطورات بعدما كشفت الولايات المتحدة، يوم 30 شتنبر 2026، عن مبادرة عسكرية واسعة تحمل اسم «FORTRESS America»، تهدف إلى تعزيز قدرة القواعد العسكرية والمنشآت الدفاعية على مواصلة العمل في الظروف الاستثنائية، قبل أن تعلن الحكومة البريطانية، في 22 أكتوبر الجاري، إطلاق حملة وطنية تدعو الأسر إلى توفير احتياجاتها الأساسية لمدة ثلاثة أيام، بالتزامن مع استمرار تنفيذ استراتيجية أوروبية ترمي إلى رفع جاهزية المواطنين والمؤسسات لمواجهة الأزمات.
ووفق المعطيات التي راجعتها جريدة النبأ المغربية، فإن المبادرة العسكرية الأمريكية تستهدف تقليل اعتماد المنشآت الدفاعية على الشبكات المدنية للطاقة والاتصالات وسلاسل الإمداد الخارجية، بما يسمح بمواصلة العمليات الأساسية عند وقوع اضطرابات واسعة أو هجمات سيبرانية تستهدف المرافق الحيوية.
وكان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قد أعلن المبادرة خلال خطاب ألقاه بقاعدة كوانتيكو العسكرية، حيث جرى تقديم برنامج يقوم على خمسة محاور أساسية، تشمل الاستقلال الطاقي، وتأمين سلاسل الإمداد والصناعات الدفاعية، وتعزيز الاحتياطات الاستراتيجية، وتقوية حماية المنشآت العسكرية من التهديدات المادية والإلكترونية، إلى جانب ضمان استمرارية الاتصالات والأنظمة الفضائية.
وتعمل هذه المقاربة على تطوير قدرات إنتاج الكهرباء داخل القواعد العسكرية، وتوفير مخزونات كافية من الوقود والمواد الطبية والمعدات والموارد الضرورية، بما يحد من تأثير انقطاع الإمدادات الخارجية على الأنشطة الدفاعية.
وفي 25 أكتوبر 2026، كشفت شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية عن وثائق قالت إنها اطلعت عليها، تتضمن هدفاً يتمثل في تمكين المنشآت العسكرية الكبرى داخل الولايات المتحدة من مواصلة أداء مهامها الأساسية لمدة لا تقل عن 90 يوماً دون الاعتماد على إمدادات خارجية.
غير أن هذه المدة، التي نقلتها تقارير صحفية عن وثائق مرتبطة بالمبادرة، لا تعني أن جميع القواعد العسكرية الأمريكية أصبحت مكتفية ذاتياً لمدة ثلاثة أشهر، كما أن الوثيقة الرسمية المنشورة عند إطلاق البرنامج لم تتضمن تحديداً صريحاً لمدة 90 يوماً، وهو ما يستدعي التمييز بين الأهداف المعلنة ومستوى الجاهزية الذي تحقق فعلياً.
ويكشف هذا التوجه عن اتساع مفهوم حماية المنشآت العسكرية، بعدما أصبحت القدرة على استمرار العمل في حال انقطاع الكهرباء والاتصالات وتعطل شبكات النقل والإمداد جزءاً أساسياً من التخطيط الدفاعي، إلى جانب التحصينات والتجهيزات العسكرية التقليدية.
وفي بريطانيا، اتخذت الاستعدادات طابعاً مدنياً يستهدف الحياة اليومية للمواطنين، بعدما أعلنت الحكومة، يوم 22 أكتوبر الجاري، إطلاق حملة «Be Ready»، التي تشجع الأسر على اتخاذ خطوات بسيطة للاستعداد لاحتمال انقطاع الخدمات الأساسية لمدة تصل إلى ثلاثة أيام.
وتدعو الحملة إلى الاحتفاظ بكميات مناسبة من مياه الشرب والأغذية غير القابلة للتلف، إلى جانب المصابيح والبطاريات والأدوية الضرورية وأجهزة الراديو ووسائل شحن الهواتف، مع أهمية توفير مبلغ نقدي مناسب تحسباً لتعطل أنظمة الدفع الإلكتروني.
وأكدت الحكومة البريطانية أن الهدف من هذه التوجيهات ليس إثارة الخوف أو دفع المواطنين إلى تخزين المواد بكميات مفرطة، وإنما تعزيز قدرتهم على التعامل مع الاضطرابات المؤقتة وتخفيف الضغط على مصالح الطوارئ، حتى تتمكن من إعطاء الأولوية للفئات الأكثر حاجة إلى المساعدة.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن حملة تمتد لثلاث سنوات، تستهدف نشر ثقافة الاستعداد داخل المجتمع، بمشاركة مؤسسات عمومية وجمعيات ومنظمات مدنية، في ظل تزايد الاعتماد على شبكات مترابطة من الخدمات الأساسية.
ولا تنفصل هذه التحركات عن الاهتمام البريطاني بالمخاطر الأمنية والتكنولوجية، خصوصاً احتمال تعرض شبكات الكهرباء والاتصالات والمياه لهجمات إلكترونية أو اضطرابات ناجمة عن الأحوال الجوية القاسية والكوارث الطبيعية.
وعلى المستوى الأوروبي، كانت المفوضية الأوروبية قد قدمت، في 26 مارس 2025، استراتيجية لتعزيز الجاهزية والاستجابة للأزمات، تتضمن تشجيع المواطنين على توفير احتياجاتهم الأساسية لمدة 72 ساعة على الأقل، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتقوية التنسيق بين المؤسسات والقطاعات الحيوية.
وتقوم الاستراتيجية الأوروبية على إشراك الحكومات والمؤسسات والمقاولات والمواطنين في الاستعداد للمخاطر، مع الاهتمام بحماية شبكات الطاقة والمياه والاتصالات والخدمات الصحية، وتطوير آليات التعاون المدني والعسكري لمواجهة الأزمات المحتملة.
وفي فرنسا، تشجع السلطات المواطنين على إعداد حقيبة للطوارئ تضم الوثائق الأساسية والأدوية والمياه والأغذية ووسائل الاتصال والإضاءة، بينما تعتمد هولندا إجراءات مشابهة ضمن برامج للتوعية بضرورة الاستعداد لانقطاع الخدمات.
أما السويد، فتوصي السكان بالاستعداد للاعتماد على أنفسهم لمدة أسبوع على الأقل، في حين تدعو السلطات الألمانية إلى توفير احتياطات تكفي لعشرة أيام إن أمكن، مع اعتبار مخزون ثلاثة أيام خطوة أولية مفيدة لتحسين الجاهزية.
وتُظهر هذه الاختلافات أن مدد الاستعداد ليست موحدة بين الدول، كما أن التوصيات الموجهة للأسر تختلف من حيث طبيعتها وأهدافها عن الخطط العسكرية الأمريكية، التي تستهدف ضمان استمرارية المنشآت الدفاعية في ظروف أكثر تعقيداً.
وفي المغرب، يتواصل العمل على تعزيز المنظومة الوطنية للاستجابة للكوارث والأزمات، من خلال برنامج لإحداث منصات جهوية لتخزين الاحتياطات الأولية والمعدات الضرورية للتدخل السريع، في إطار مشروع أعطى الملك محمد السادس انطلاقته يوم 7 ماي 2025 بجماعة عامر التابعة لعمالة سلا.
ويتضمن البرنامج إحداث 12 منصة جهوية موزعة على مختلف جهات المملكة، تضم ما مجموعه 36 مستودعاً، بكلفة إجمالية معلنة تبلغ نحو سبعة مليارات درهم، منها مليارا درهم مخصصان للبناء وخمسة مليارات درهم لاقتناء التجهيزات والمواد الضرورية.
وتشمل هذه الاحتياطات معدات الإنقاذ والإيواء والخيام والأغطية والأسرة والمواد الغذائية والأدوية والتجهيزات الطبية ووسائل توفير المياه والكهرباء، إضافة إلى معدات مخصصة للتدخل عند وقوع الفيضانات والزلازل والانهيارات الأرضية والحوادث الصناعية والكيميائية.
ويهدف المشروع إلى تقوية قدرة المصالح المختصة على الاستجابة السريعة للكوارث، مع اعتماد منظومة رقمية لتدبير المخزونات وتنسيق عمليات توزيع المساعدات والتجهيزات على المناطق المتضررة.
ووفق التصور الرسمي للمشروع، تسعى هذه المنصات إلى تمكين فرق التدخل من إيصال الاستجابة الأولية إلى مواقع الكوارث في متوسط زمني مستهدف يبلغ ست ساعات من انطلاق عمليات الإنقاذ، وهو هدف يرتبط بجاهزية التجهيزات والوسائل اللوجستية والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
وتندرج جهة الدار البيضاء–سطات ضمن الجهات التي يشملها البرنامج، حيث خُصصت لها منصة تضم أربعة مستودعات، بالنظر إلى الأهمية السكانية والاقتصادية للمجال الترابي الذي تغطيه، وما يحتضنه من منشآت صناعية ومرافق استراتيجية وبنيات تحتية حيوية.
وتكتسي هذه الاستعدادات أهمية خاصة بالنسبة إلى الدار البيضاء والمحمدية وباقي مدن الجهة، حيث تفرض الكثافة السكانية والحركة الصناعية والتجارية ضرورة توفير إمكانيات للتدخل السريع عند وقوع كوارث طبيعية أو حوادث كبرى قد تؤثر في سلامة المواطنين واستمرارية الخدمات.
وتشير جريدة النبأ المغربية إلى أن المقاربة المغربية تختلف عن البرنامج العسكري الأمريكي، إذ تركز المنصات الجهوية أساساً على حماية السكان وتعزيز قدرات الإنقاذ والإغاثة والتكفل بالمتضررين، بينما تستهدف المبادرة الأمريكية المحافظة على جاهزية المؤسسات الدفاعية واستمرارية العمليات العسكرية.
ورغم هذا الاختلاف، فإن القاسم المشترك بين هذه البرامج يتمثل في الاهتمام المتزايد بمفهوم الصمود أمام الأزمات، وتقليل الاعتماد على التدخلات الارتجالية من خلال التخطيط المسبق وتوفير المعدات والموارد الأساسية.
ويأتي ذلك في عالم أصبحت فيه القطاعات الحيوية أكثر ترابطاً، إذ يمكن أن يؤدي انقطاع الكهرباء إلى تعطل شبكات الاتصال وبعض الخدمات الصحية والمصرفية والمائية، بينما قد تؤثر الهجمات الإلكترونية أو اضطرابات النقل في وصول السلع والمواد الضرورية إلى الأسواق والمؤسسات.
كما تدفع التوترات الجيوسياسية والمخاطر المناخية والتكنولوجية الحكومات إلى دراسة سيناريوهات متعددة، تشمل الكوارث الطبيعية وانقطاع الخدمات والهجمات السيبرانية والاضطرابات الأمنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود معلومات مؤكدة عن اقتراب مواجهة عسكرية واسعة.
ومن المهم التأكيد أن بعض برامج الاستعداد الأوروبية بدأت قبل الإعلان عن المبادرة العسكرية الأمريكية بسنوات، وهو ما يجعل من غير الدقيق ربط جميع الإجراءات الغربية بتهديد واحد أو اعتبارها دليلاً على اتخاذ قرار مشترك للاستعداد لحرب وشيكة.
وبالنسبة إلى المغرب، لا يقتصر التحدي على إنشاء المستودعات وتوفير المخزونات، وإنما يشمل ضمان جاهزيتها الفعلية وتطوير أنظمة المراقبة والإنذار المبكر، وتكوين الموارد البشرية، وتعزيز التنسيق بين الوقاية المدنية والسلطات الترابية والمصالح الصحية والجماعات المحلية.
كما تبرز أهمية توعية المواطنين بالإجراءات الأساسية للتعامل مع الكوارث أو انقطاع الخدمات، وتشجيع الأسر على الاستعداد بصورة عقلانية تتناسب مع احتياجاتها، بعيداً عن التخويف أو الشراء المفرط أو تداول الأخبار غير المؤكدة.
وتؤكد جريدة النبأ المغربية أن الخطط الأمريكية والأوروبية لا تشكل، في حد ذاتها، دليلاً على أن حرباً عالمية أصبحت وشيكة، وإنما تعكس اهتماماً متزايداً بضمان استمرارية الخدمات وحماية المؤسسات والمواطنين في عالم يعرف مخاطر متعددة.
ويبقى السؤال المطروح مرتبطاً بما إذا كانت هذه التحركات تمثل تطوراً طبيعياً لسياسات الوقاية، أم تعكس تحولاً أعمق في حسابات الحكومات تجاه الأزمات الدولية المقبلة، وهو سؤال لا يمكن حسمه اعتماداً على مدد التخزين وخطط الطوارئ وحدها.
وفي جميع الحالات، يبدو أن القدرة على الاستعداد والتدخل السريع وضمان استمرار الخدمات الأساسية أصبحت عنصراً رئيسياً في تقييم جاهزية الدول، بينما تظل المعلومة الدقيقة والتخطيط المسؤول والهدوء في التعامل مع المخاطر أفضل وسيلة لحماية المواطنين وتعزيز ثقتهم في المؤسسات.
صوتك مهم. أخبر هيئة تحرير النبأ بما يحدث في مدينتك أو حيك، وتابع مآل بلاغك.
راسل مرصد النبأ الجهويما رأيك في هذا الخبر؟ شارك برأيك واحترم آراء الآخرين.
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر.


