يواصل المغرب الاعتماد على القمح اللين المستورد من فرنسا لتأمين حاجيات السوق الوطنية والمطاحن، رغم تراجع الأسعار في الأسواق الدولية خلال الأيام الأخيرة، في ظل استمرار الاضطرابات اللوجستية والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر على حركة الشحن البحري وتحد من قدرة المستوردين على الاستفادة الفورية من انخفاض الأسعار، وسط ترقب لقرارات حكومية جديدة بشأن دعم الاستيراد خلال المرحلة المقبلة.
وكشفت معطيات نقلتها جريدة «هسبريس»، استناداً إلى مصادر من المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، أن المستوردين المغاربة يواصلون توجيه الجزء الأكبر من مشتريات القمح اللين نحو السوق الفرنسية، بالنظر إلى انتظام الإمدادات المتاحة وقرب الموانئ الفرنسية من المغرب، في وقت ما تزال فيه حركة نقل الحبوب من بعض مناطق التصدير العالمية تواجه تحديات مرتبطة بالملاحة والشحن.
وأكد عمر اليعقوبي، رئيس الفيدرالية الوطنية لتجار الحبوب والقطاني، أن الأسواق الدولية تتوفر على كميات مهمة من الحبوب، غير أن الصعوبات الأساسية ترتبط حالياً بعمليات النقل البحري والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر على الممرات التجارية، وخاصة بمنطقة البحر الأسود، مما يجعل وفرة الإنتاج العالمي غير كافية وحدها لضمان وصول الشحنات في الوقت المطلوب وبالتكلفة المناسبة.
وأوضح المسؤول المهني أن الحديث عن تحسن حركة الملاحة في بعض الممرات البحرية لم ينعكس بعد بصورة ملموسة على عمليات التزود بالنسبة إلى المستوردين المغاربة، مشيراً إلى أن الأسواق المالية تستبق أحياناً التطورات السياسية والأمنية، بينما يحتاج المستوردون إلى مؤشرات عملية تتعلق بإبحار السفن ووصول البضائع وانتظام عمليات الشحن والتفريغ.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن وتيرة استيراد القمح بالمغرب تسير بصورة عادية، بما يسمح بتغطية الاستهلاك الوطني، دون تسجيل زيادة أو انخفاض استثنائي في الكميات المستوردة وفق تصريحات المهنيين، في وقت تظل فيه فرنسا من أبرز الموردين القادرين على تلبية طلب المطاحن المغربية.
وفي المقابل، ينتظر مهنيّو الحبوب إمكانية دخول شحنات إضافية من الأرجنتين خلال شهر دجنبر المقبل، بالتزامن مع موسم حصادها، وهو ما قد يفتح المجال أمام تنويع مصادر التزود، تبعاً لتطور الأسعار العالمية وتكاليف النقل ومدى توفر الكميات المناسبة من القمح المخصص للطحن.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تراجع أسعار القمح في عدد من الأسواق الدولية، حيث سجلت العقود الآجلة للقمح الأمريكي تسليم دجنبر نحو 5.99 دولارات للبوشل عند إغلاق تعاملات الأربعاء 28 أكتوبر، بعدما تأثرت الأسعار بتوقعات تحسن حركة الملاحة في البحر الأسود ووفرة المحاصيل لدى عدد من الدول المنتجة.
كما ساهمت الظروف المناخية وتحسن آفاق الإنتاج الزراعي في عدد من البلدان المصدرة في تخفيف الضغوط على الأسعار، غير أن تكلفة الاستيراد بالنسبة إلى المغرب لا ترتبط بسعر القمح في البورصات وحده، بل تشمل كذلك مصاريف الشحن والتأمين والتفريغ وتقلبات أسعار الصرف والرسوم والتكاليف اللوجستية الأخرى.
وكان المغرب قد استأنف استيراد القمح اللين ابتداءً من 16 شتنبر الماضي، بعد فترة من تعليق الواردات لإعطاء الأولوية لتسويق المحصول الوطني، مع اعتماد آلية لدعم الاستيراد تمتد إلى غاية 31 دجنبر 2026، بهدف ضمان تموين المطاحن والمحافظة على مستوى مناسب من المخزون.
ويأتي استمرار اللجوء إلى الأسواق الخارجية رغم التحسن الذي عرفه الإنتاج الوطني خلال الموسم الفلاحي الجاري، إذ تشير تقديرات القطاع إلى ارتفاع محصول القمح اللين المغربي إلى نحو 4.4 ملايين طن، أي أكثر من ضعف إنتاج الموسم السابق، غير أن الكميات المجمعة والموجهة فعلياً إلى المطاحن لم تكن كافية لتغطية مجموع احتياجاتها.
وتتوقع تقديرات صادرة عن مهنيي الحبوب الفرنسيين أن تتراجع صادرات القمح اللين الفرنسي نحو المغرب خلال الموسم التجاري الحالي إلى حوالي 2.5 مليون طن، مقابل 3.5 ملايين طن خلال الموسم السابق، أي بانخفاض محتمل يقارب مليون طن، في مؤشر على تراجع نسبي في الحاجة إلى الواردات الفرنسية دون الاستغناء عنها.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الدور الذي تلعبه التجارة الخارجية في تأمين التزود بالقمح، خصوصاً أن الإنتاج الفلاحي المحلي يظل مرتبطاً بالتساقطات المطرية وتوفر الموارد المائية وظروف الحصاد والتخزين والتجميع، إلى جانب قدرة المنظومة الوطنية على إيصال المحاصيل إلى وحدات الطحن.
وفي هذا السياق، يترقب الفاعلون المهنيون القرار الذي ستتخذه الحكومة بشأن آلية دعم واردات القمح بعد نهاية شهر دجنبر، وما إذا كانت ستقرر تمديد العمل بها أو مراجعتها وفق تطورات الأسعار الدولية وحجم المخزون الوطني والحاجيات الفعلية للسوق.
ويطرح استمرار استيراد القمح، رغم انخفاض أسعاره في البورصات الدولية، تساؤلات بشأن مدى انتقال هذا التراجع إلى تكلفة التزود داخل المملكة، خصوصاً أن الأسعار العالمية لا تنعكس بالضرورة بصورة مباشرة أو فورية على تكلفة الدقيق والخبز والمنتجات الغذائية المرتبطة بالحبوب، بسبب تدخل عوامل النقل والتخزين والدعم وهوامش التوزيع.
ويظل تحقيق التوازن بين تشجيع الإنتاج الوطني وضمان انتظام الواردات أحد أبرز التحديات المطروحة أمام القطاع، في ظل الحاجة إلى المحافظة على مخزون كافٍ، وحماية السوق من التقلبات الخارجية، وتعزيز القدرة على مواجهة فترات الجفاف واضطرابات التجارة الدولية.
ومن المنتظر أن تتضح خلال الأسابيع المقبلة توجهات سياسة التزود بالقمح، مع اقتراب موسم الحصاد في الأرجنتين ونهاية الفترة الحالية لدعم الاستيراد، بينما يبقى ضمان تموين المطاحن واستقرار الإمدادات من الأولويات الأساسية للأمن الغذائي بالمغرب.
صوتك مهم. أخبر هيئة تحرير النبأ بما يحدث في مدينتك أو حيك، وتابع مآل بلاغك.
راسل مرصد النبأ الجهويما رأيك في هذا الخبر؟ شارك برأيك واحترم آراء الآخرين.
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر.


