عدد المشاهدات: 1٬139

ليست كل المباريات تُلعب لتُربح أو لتُخسر. بعض المباريات تُلعب لتُخلد.

وما حدث أمس الإثنين في القاعة المغطاة عين الشق لم يكن مباراة. كان إعلان استقلال جديد للرياضة النسوية المغربية.
السابعة مساءً. الدار البيضاء كلها كانت هناك. لا مكان لموطئ قدم. الضوء أبيض كاشف، وصوت المعلق يتصارع مع زئير المئات. ودقات القلوب تتسارع على إيقاع واحد. في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن عين الشق لم تعد مجرد مقاطعة على خريطة البيضاء، بل أصبحت عاصمة مؤقتة لكرة اليد العالمية.

على المستطيل، كانت المواجهة تبدو مستحيلة على الورق.
من جهة، عملاق قادم من وراء المحيط. المنتخب الكندي للسيدات، بطوله الفارع، بلياقته التي تُبنى في المختبرات، بانضباطه التكتيكي البارد الذي يُدرّس في أكاديميات أوروبا.

ومن جهة أخرى، حلم وُلد هنا، بين أزقة عين الشق. لبؤات الانتصار. لا ميزانية بملايين الدولارات، لا معسكرات في الخارج. فقط فتيات الحي. وجوه نعرفها. بناتنا.

صافرة الحكم لم تطلق مباراة، بل فجرت حرباً جميلة.
60 دقيقة.. قلوبنا توقفت
منذ الثانية الأولى، سقطت كل التوقعات. لبؤاتنا لم يدخلن للدفاع عن الشرف، دخلن لانتزاعه.

دفاع؟ جدار برلين. لا ثغرة، لا رحمة. كل كندية حاولت الاختراق وجدت أمامها كتفاً مغربية تردها.

هجوم؟ برق. هجمة مرتدة واحدة كانت كافية لتجعل المدرسة الكندية بأكملها تعيد حساباتها.

كانت هناك صفاء وخديجة، ليس مجرد لاعبتين، بل قائدتا أوركسترا. كل تمريرة منهما كانت رسالة مشفرة، كل اختراق كان طعنة.

وخلفهما، كانت هناك ربيعة وشيماء. حارستان؟ لا. ملاكا حراسة. تصدياتهما لم تكن تصديات، كانت معجزات صغيرة. كل كرة صدّتاها، كانت القاعة تنفجر حتى كاد السقف أن يسقط.
الكنديات، بكل احترافيتهن، نظرن لبعضهن بدهشة. لم يكن هذا ما توقعنه. كن أمام فريق لا يلعب بيديه، بل بقلبه. فريق يلعب باسم حي، باسم مدينة، باسم وطن.

العرس الذي فاق المباراة

لو كانت الحكاية حكاية 60 دقيقة فقط، لقلنا إنها مباراة كبيرة وانتهت. لكن الحكاية كانت أكبر.

هذا العرس لم يأت صدفة. خلفه عقل مدبر وقلوب مؤمنة. تنظيم بمستوى كأس العالم، لا نبالغ. دخول المنتخبات، الإضاءة، التحكيم الدولي النزيه، سلاسة الدخول والخروج، التغطية المحكمة.. كل شيء كان يقول: نحن قادرون.

هو ثمرة عمل جبار لإدارة نادي الانتصار الرياضي، بقيادة حكيمة آمنت أن الاستثمار الحقيقي ليس في الإسمنت، بل في بنات الحي. وبشراكة نموذجية مع مقاطعة عين الشق، وبتأطير رسمي وحازم من عصبة الدار البيضاء-سطات و الجامعة الملكية المغربية لكرة اليد التي منحت هذا الحلم ختم الشرعية الدولية.
أما المنصة الشرفية، فكانت لوحة وطن مصغرة.

في الصف الأول، السلطات المحلية في شخص السيد القائد، ونائب الرئيس المفوض له قطاع الرياضة بمقاطعة عين الشق، وثلة من أعضاء المجلس، ورجال الأمن الذين سهروا على أن يمر كل شيء كالحلم، ووجوه المجتمع المدني ورؤساء الأندية الذين جاؤوا من كل أحياء البيضاء ليقولوا: ما يحدث في عين الشق يهمنا جميعاً.

رسالة أكبر من الرياضة لماذا الآن؟ ولماذا كندا؟
لأن التوقيت لم يكن عادياً. كنا نحتفل بـ عيد الوحدة. وما أفضل من أن نحتفل بالوحدة، برياضة توحدنا؟

ما حدث كان رسالة بثلاثة عناوين:

الأولى للعالم: المغرب لم يعد ينظم الأحداث الكبرى في الرباط فقط. المغرب ينظمها حتى في قاعات الأحياء الشعبية. هذه هي قوتنا الناعمة.

الثانية لبنات المغرب: انظرن. المستحيل ليس مغربياً. إذا استطاعت بنت من عين الشق أن تحرج منتخب كندا، فأنتِ تستطيعين أن تفعلي أي شيء.

الثالثة للمسؤولين: أعطوا الفرصة فقط. الموهبة موجودة في الأحياء. هي فقط تحتاج إلى قاعة، إلى كرة، وإلى من يؤمن بها.

تحية إجلال لا بد منها لرجال السلطة المحلية والأمن الوطني والقوات المساعدة بمنطقة عين الشق. لولاهم، ولولا احترافيتهم العالية وتأمينهم المحكم، ما كنا لنعيش هذا الحلم آمنين مطمئنين من أول دقيقة إلى آخر زئير في المدرجات.

انتهت المباراة. تصافحت اللاعبات. لكن شيئاً واحداً لم ينته قدمت الهديا والميداليات على جميع اللاعبات بشعار المملكة المغربية وهذيا رمزية لكل الحاضرين عن الشأن المحلي .
مساء الإثنين في عين الشق لم يكن نهاية مباراة ودية. كان بداية أسطورة.

أسطورة تقول إن اللبؤات زأرن، وأن كندا سمعت الزئير، وأن المغرب كله صفق.

وأن القادم أقوى بكثير.

هل تواجه منطقتك مشكلة تستحق المتابعة؟

صوتك مهم. أخبر هيئة تحرير النبأ بما يحدث في مدينتك أو حيك، وتابع مآل بلاغك.

راسل مرصد النبأ الجهوي
💬 نقاش القراء0 تعليق

ما رأيك في هذا الخبر؟ شارك برأيك واحترم آراء الآخرين.

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر.